
في ليلة استثنائية، تجاوز المسرح حدوده التقليدية ليخرج من عزلته المعهودة. بالأمس، تحولت الكثبان الرملية إلى خشبة عرض ضمن فعاليات المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء، حيث كانت السماء المفتوحة والرياح العاتية هي الديكور الوحيد. هناك، عُرضت مسرحية "الهاربات" لوفاء الطبوبي، ولم يكن هذا العرض مجرد أداء فني، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الفريق على تقديم النص في ظروف غير تقليدية. لقد أحدث الفضاء المفتوح تحولًا جذريًا في طبيعة النص. فمسرحية الطبوبي، التي تدور أحداثها في محطة مواصلات مغلقة وتجمع ست شخصيات مهمشة تواجه ضغوط الواقع، وجدت نفسها في فراغ جغرافي يفتقر إلى الحماية الصوتية والبصرية التي يوفرها المسرح التقليدي. الشخصيات التي كانت تبحث عن توجيه في مجتمع مضطرب أصبحت تتنقل في فضاء موحش. هذا الانتقال من المحطة المغلقة إلى الكثبان الرملية لم يكن مجرد تغيير في الديكور، بل كان تحولًا عميقًا في تفسير النص نفسه. لم يعد الهروب مجرد محاولة للخلاص من أزمة اجتماعية، بل أصبح مواجهة وجودية مع الفراغ والضياع. في منتصف العرض، وقع حدث محوري. تعرضت الفنانة فاطمة بن سعيدان لإصابة مفاجئة تمثلت في آلام حادة بالكتف واليد اليمنى، مما استدعى تدخل فريق الإخراج مرتين لإخراجها من المشهد. في هذه اللحظة الحرجة، كان العرض يواجه خطر التوقف. كانت الخيارات المتاحة تتمثل في الاستمرار بدونها أو إيقاف العرض بشكل كامل. إلا أن ما تلا ذلك أظهر مستوى عالٍ من الالتزام المهني والفني. عادت بن سعيدان إلى خشبة المسرح واستكملت دورها حتى النهاية، على الرغم من الألم الشديد الذي كانت تعانيه. لم يكن هذا القرار مجرد اختيار شخصي، بل كان قرارًا فنيًا حاسمًا لضمان تماسك العرض. أدرك الفريق أن استبعاد الممثلة بشكل نهائي كان سيؤثر سلبًا على الإيقاع الدرامي للعرض بأكمله. فالشخصيات الست في النص مترابطة بشكل وثيق، حيث تكمل كل واحدة الأخرى، والحوارات ليست مجرد تبادلات فردية، بل هي حوار جماعي يساهم في بناء معنى مشترك. لذلك، كانت عودة السيدة بن سعيدان ضرورية للحفاظ على هذا التناسق. الألم الجسدي الذي عانت منه لم يعيق الأداء، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ منه. لقد استشعر الجمهور هذا التناسق والاحترافية. فعلى الرغم من الظروف الصعبة، حافظ الفريق على تماسك الأداء. لم تكن هناك لحظات انقطاع واضحة أو تردد في الأداء، واستمر الإيقاع الدرامي في التدفق بسلاسة. استمر الممثلون الآخرون في الحفاظ على الزخم الدرامي، متجاوزين الانزعاج من الحادثة. لقد تجلى تفاهم ضمني بين الممثلين حول كيفية استمرارية العرض رغم التحديات. هذا التناغم لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج تدريب مكثف وبروفات متواصلة وثقة متبادلة بين أعضاء الفريق. لم يكن الفريق مجرد مجموعة من الأفراد على خشبة المسرح، بل كيانًا متكاملًا يتنفس بروح واحدة. عند سقوط بن سعيدان، لم يتزعزع هذا الكيان، بل تكيف. وعند عودتها، استقبلها الفريق بنفس الحيوية والتركيز. لم يغادر الجمهور، بل ظل حاضرًا حتى النهاية، شاهدًا على هذا الاختبار الفني الحقيقي. ساد صمت مهيب وتركيز عميق على مجريات الأحداث. كان هذا الحضور الجماعي للجمهور جزءًا لا يتجزأ من العرض نفسه. لقد كان عرض "الهاربات" في الصحراء بمثابة اختبار غير مخطط له في البداية. كشفت الظروف الصعبة عن جوهر العمل المسرحي الحقيقي. فالمسرح ليس مجرد منتج نهائي يقدم بنفس الطريقة في كل مرة. المسرح، بصفته كيانًا حيويًا، يتكيف ويتطور ويستكشف آفاقه في كل تجربة عرض. يتجاوز الاختبار الفني في مسرحية "الهاربات" الأبعاد الاجتماعية والسياسية العميقة التي يحملها النص. يتناول النص قضايا الفئات المهمشة في المجتمع، أولئك الذين يفتقرون إلى مكانة واضحة. الشخصيات مثل الأستاذة غير الموظفة، والعاطل عن العمل، والممثل الذي لم يحقق النجاح، والأم المنهكة، لا تمثل مجرد أدوار درامية، بل تعكس واقعًا اجتماعيًا ملموسًا. في سياق ما بعد الثورة، حيث اصطدمت الآمال التي نشأت من الحراك الشعبي بواقع اقتصادي صعب ونقص في الفرص الحقيقية، تصبح هذه الشخصيات رموزًا لجيل كامل يشعر بالضياع وخيبة الأمل. اختارت وفاء الطبوبي وضع هذه الشخصيات في محطة مواصلات، وهو فضاء انتقالي بطبيعته، مكان للعبور المؤقت الذي يتحول إلى دائم. هذا الاختيار ليس عشوائيًا؛ فالمحطة تمثل استعارة للحالة الاجتماعية: الانتظار بلا وجهة واضحة، والحركة بلا تقدم حقيقي. عندما انتقلت هذه المحطة إلى الصحراء، تعززت هذه الاستعارة. الصحراء، بفراغها وقسوتها، تجسد الفراغ السياسي والاجتماعي الذي يعيشه المهمشون، حيث لا حماية، ولا ملجأ، ولا توجيه واضح. العرض الذي شهدناه بالأمس كان بمثابة بيان فني حول المقاومة. لا يمثل هذا مقاومة درامية مبالغ فيها، بل مقاومة يومية، هادئة، ومستمرة. فالشخصيات في "الهاربات" لا تثور ولا تدعو إلى تغيير جذري. بدلاً من ذلك، تختار التعبير عن ذاتها. تختار أن تتحدث عن آلامها، عن خيباتها، وعن أحلامها المحطمة. هذا التعبير، في حد ذاته، هو فعل سياسي. إنه رفض للصمت، ورفض لأن تبقى هذه الأصوات مكبوتة ومهمشة. عندما عادت فاطمة بن سعيدان إلى الخشبة رغم الألم، لم تكن تؤدي مشهداً درامياً فحسب. كانت تجسد هذا المعنى بشكل حرفي. الممثل الذي يستمر رغم الألم هو استعارة حية للإنسان الذي يستمر في الحياة رغم الظروف القاسية. الألم الجسدي الحقيقي تماهى مع الألم الاجتماعي للشخصيات. الجسد المتألم على الكثبان الرملية أصبح شهادة حية على الكفاح اليومي للمهمشين. الفريق، بتماسكه واستمراره، قدم درساً في التضامن. لم يكن هناك تنافس أو محاولة لسرقة الأضواء. بدلاً من ذلك، كان هناك فهم عميق بأن العرض أكبر من أي فرد واحد. هذا التضامن الفني يعكس، بطريقة ما، التضامن الاجتماعي الذي تدعو إليه المسرحية نفسها. في عالم يصنف الأفراد إلى فائزين وخاسرين، إلى ممثلين وجمهور، وإلى أصوات مسموعة وأصوات مكبوتة، تبرز "الهاربات" لتعبر عن وجودها المشترك. نحن نشارككم هذه اللحظة، ونطالب بأن تُسمع أصواتنا. لقد اختار الفريق الاستمرار في مواجهة الضغوط بدلاً من الانهيار، وكان استمراره تجسيدًا للفن بحد ذاته. لم يكن ذلك مجرد تعبير فني، بل كان بيانًا سياسيًا يؤكد على الإصرار على الوجود، وعلى التعبير، وعلى الحضور في عالم يسعى لإسكاتك. في الصحراء، حيث لا يوجد ما يحمي، اختار الفريق البقاء، واختار التحدث، واختار أن يفعل ذلك بشكل جماعي. بقلم: أمين الضبايبي




